ابن قيم الجوزية
334
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فالنفس جبل عظيم شاق في طريق السير إلى اللّه عزّ وجلّ . وكل سائر لا طريق له إلا على ذلك الجبل . فلا بد أن ينتهي إليه ، ولكن منهم من هو شاق عليه . ومنهم من هو سهل عليه . وإنه ليسير على من يسّره اللّه عليه . وفي ذلك الجبل أودية وشعوب ، وعقبات ووهود ، وشوك وعوسج ، وعلّيق وشبرق ، ولصوص يقتطعون الطريق على السائرين . ولا سيما أهل الليل المدلجين . فإذا لم يكن معهم عدد الإيمان ، ومصابيح اليقين تتقد بزيت الإخبات ، وإلا تعلقت بهم تلك الموانع . وتشبثت بهم تلك القواطع . وحالت بينهم ، وبين السير . فإن أكثر السائرين فيه رجعوا على أعقابهم لما عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته . والشيطان على قلّة ذلك الجبل . يحذر الناس من صعوده وارتفاعه . ويخوفهم منه . فيتفق مشقة الصعود وقعود ذلك المخوف على قلّته ، وضعف عزيمة السائر ونيته . فيتولد من ذلك : الانقطاع والرجوع . والمعصوم من عصمه اللّه . وكلما رقي السائر في ذلك الجبل اشتد به صياح القاطع ، وتحذيره وتخويفه . فإذا قطعه وبلغ قلّته : انقلبت تلك المخاوف كلهن أمانا . وحينئذ يسهل السير ، وتزول عنه عوارض الطريق ، ومشقة عقباتها . ويرى طريقا واسعا آمنا . يفضي به إلى المنازل والمناهل . وعليه الأعلام . وفيه الإقامات ، قد أعدت لركب الرحمن . فبين العبد وبين السعادة والفلاح : قوة عزيمة ، وصبر ساعة ، وشجاعة نفس ، وثبات قلب . والفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء . واللّه ذو الفضل العظيم . وقوله : « ويعمى عن نقصان الخلق عن درجته » . يعني أنه - وإن كان أعلى ممن هو دونه من الناقصين عن درجته - إلا أنه لاشتغاله باللّه . وامتلاء قلبه من محبته ومعرفته ، والإقبال عليه : يشتغل به عن ملاحظة حال غيره ، وعن شهود النسبة بين حاله وأحوال الناس . ويرى اشتغاله بذلك والتفاته إليه نزولا عن مقامه ، وانحطاطا عن درجته ، ورجوعا على عقبيه . فإن هجم عليه ذلك - بغير استدعاء واختيار - فليداوه بشهود المنة ، وخوف المكر ، وعدم علمه بالعاقبة التي يوافى عليها . واللّه المستعان . منزلة الزهد ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الزهد » « 1 » .
--> - بذلك ، وتخلية النفس والتجرد عنها لا يقدر عليه بشر . فإن سنة اللّه لا تتبدل وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وإنما البر والتقوى : أن تحافظ على نفسك التي نفخها فيك الرب من روحه ، وتحفظها من مكر العدو ووساوسه وتزيينه . كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم . ( 1 ) الزهد في الشيء في لغة العرب - التي هي لغة الإسلام - الانصراف عنه احتقارا له ، وتصغيرا لشأنه . للاستغناء عنه بخير منه . ولم يجئ في القرآن إلا في شأن الذين شروا يوسف وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 ) [ يوسف : 20 ] والزهد فيما أنعم اللّه وتفضل به على الإنسان في هذه الحياة ، بما جعله بلاء وعونا للمهتدين على الإيمان والهدى وصالح الأعمال للمتقين ، فيكون باقيا صالحا للآخرة ، وعونا على الكفر والفسوق والعصيان ، عند الغافلين الكافرين - الزهد في ذلك : إعراض عن نعم -